محمد أبو زهرة
2168
زهرة التفاسير
النفس بزرع التقوى ، ولأن القرآن ليس كتاب قانون تسرد فيه العقوبات سردا ، بل هو كتاب هداية وتهذيب وإرشاد وتوجيه إلى الطريق المستقيم ، تذكر فيه العقوبة على أنها علاج للجريمة في المجتمع ، ثم يذكر مع العقوبة المادية العلاج النفسي والروحي ، وهو أجدى وأقوى وأبعد أثرا ، وقد ذكر سبحانه وتعالى عقوبة المال في أغلظ جرائمه وهو السرقة ، فقال تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الواو هنا في معنى الواو العاطفة ، إذ هي عطفت حكما مقررا لازما ، وهو قطع أيدي السارقين ، على جزاء المحاربين ، وكان ما بينهما من طلب المؤمنين بالتقوى وطلب القربى إلى الله تعالى في معنى الجملة المعترضة بين معطوف ومعطوف عليه ، ولها معناها السامي ، وهو بيان العلاج النفسي التهذيبى بجوار العلاج المادي الجزائى . والمعنى فرض عليكم ، فيما فرض ، حكم السارق والسارقة ، كما فرض عليكم من قبل حكم الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك الحكم بقوله تعالت كلماته : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما . والفاء هنا للربط بين الكلام ، وهي في معنى بيان السببية الرابطة بين الجريمة والعقوبة ، فهي تبين أن سبب قطع الأيدي هو السرقة وكونهم قد اتصفوا بها ، وكان ثمة تجانس بين الجريمة والعقوبة فاليد التي امتدت بالأخذ سرقة هي التي تصير موضعا للعقاب ، وهو القطع . وقد بين سبحانه وتعالى الباعث على ذلك العقاب ، كما ذكر السبب ، فالسبب المباشر هو السرقة ، والحكمة أو الوصف المناسب هو ما اشتمل عليه قوله تعالى : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ أي أن ذلك العقاب هو كفاء لما كسبا من فعل شئ له آثار سيئة ، وإن ذلك العقاب نكال أي زجر من الله تعالى لمنع هذه الجريمة وتقييد الأيدي ، حتى لا ترتكبها . وظاهر الأمر أن قطع اليد لا يمكن أن يكون كفاء لليد المقطوعة ، ولكن عند النظر الدقيق يتبين أن المقابلة ليست بين ذات المقدار المسروق ، وبين اليد